ابن عربي

404

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

من كل ما يصيبه ، حتى إنّه لو كان مما يصيبه السفر والانتقال ، لنقله الحق بهذه الصفة التي هو عليها من السكون في محفة عناية إلهية ، لا يعرف الحركة المتعبة ، مستريحا مظللا عليه مخدوما ، والتوكل اعتماد القلب على اللّه تعالى ، مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم التي من شأن النفوس أن تركن إليها ، فإن اضطرب فليس بمتوكل ، وهو من صفات المؤمنين ، فالمؤمن العالم يتخذ اللّه وكيلا يسلم إليه أموره ، ويجعل زمامها بيده ، فهو أعلم بما يصلح له ، ونبه تعالى بهذا الأمر أنه لا ينبغي الوكالة إلا لمن هو إله ، لأنه عالم بالمصالح إذ هو خالقها ، فاتخاذه تعالى وكيلا إنما هو في المصلحة لنا لا في عين الأشياء ، فالعبد يتخذ اللّه وكيلا نائبا عنه فيما ملّكه إياه ، شكرا على ما أولاه ، والذين اتخذوه وكيلا صاروا أمواتا بين يديه ، فصاروا كالميت بين يدي الغاسل ، ولهذا أعطاهم صفة التقديس وهي الطهارة - إشارة - العجب ممّن اتخذ مستخلفه وكيلا ، فلو لا الأمر الرباني ، لرده الأدب الكياني ، فإنه ليس للعبد من الجرأة أن يوكل سيده ، فلما تبرع بذلك لعباده ، ونزل إليهم من كبريائه بلطفه الخفي ، اتخذوه وكيلا ، وأورثهم هذا النزول إدلالا ، كما أنه لولا أن الحق أعطى العبد الاستقلال بالخلافة ما قال له عن نفسه تعالى آمرا « فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا » ولا قال له صلّى اللّه عليه وسلّم [ أنت الخليفة في الأهل والصاحب في السفر ] وهو صلّى اللّه عليه وسلّم القائل [ إن اللّه أدبني فأحسن أدبي ] - شعر : أنا صاحب الملك الذي قال إنني * أنا نائب فيه بأصدق قيل ولو لم يكن ملكي لما صح أن أرى * موكله والحق فيه وكيلي وعن أمرنا كانت وكالتنا له * وبرهان دعواي وعين دليلي كتاب له حق وفيه اعترافه * بما قلت فيه فالسبيل سبيلي يقول بأضداد الأمور وجوده * فقد حرت فيه وهو خير جليل عجبت له من غائب وهو حاضر * بتنفيذ أخبار وبعث رسول إلى من ؟ وإن العين عين وجوده * وممن ؟ فقد حرنا فكيف وصولي إلى منزل ما فيه عين غريبة * ولا حيرة فيها شفاء غليل [ حقيقة التوكيل ومخاطبة الحق للشيخ في سره : ] يقول الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه : خاطبني الحق في سري ، من اتخذني وكيلا فقد ولاني ، ومن ولاني فله مطالبتي وعليّ إقامة الحساب فيما ولاني فيه ، يقول الشيخ رضي